الأحد، 17 فبراير، 2013

أبو علي الكبابجي


أبو علي الكبابجي
بقلم/ كارزان خانقيني                                                                                                                        قصة قصيرة

كان ابو علي الكبابجي الذي يعمل اجيرا لدى احد اقربائه في المطعم المجاور لمركز الشرطة وسط المدينة ,, رجل لا يملك شيئا في الدنيا .. غير انه يحمل في اعماقه احلاما لا يسعها حتى الكواكب الاخرى ..
ابو علي همه لم يكن فقط أن يحصل على اجرته اليومية كي يشتري به خبزا لاطفاله .. بل كان يحمل على ظهره تعب السنين , سنين كان يكافح فيه كي يوصل ما بأمكانه الى رفاقه في الجبل ..
لم يكن احد يعلم به فقد كان صديق للكل ,, حتى أن مدير امن المنطقة لا يرغب أن يأكل في بيته عدا الكباب والمشويات التي كان ابو علي الكبابجي يعملها .
سألته أمرأته يوما : ابو علي انت بدال ما تصرف كل هاي الفلوس على شغلات انت متعرف ليش !! اشتريلنه مرة اشوية فواكه ,, اشوية حلويات ,, والله معدتنه صارت فحم من كد ما نشرب جاي وخبز.
خجل ابو علي من طرح زوجته , لكنه أبى أن يكشف ما في داخله لزوجته ام علي . فقد كان مقتنعا , ان السر اذا عرفه اثنان ليس سرا .
مرت السنين وابو علي على نفس المنوال ,, كان الناس يشكون به من كثرة اختلاطه برجال السلطة . وكان هو في داخله مفتخرا ..
كثرت الاقاويل بين الناس على أن ابو علي احد ازلام النظام , وبدأ الناس يخافونه ,, لذلك فقد تأثر المطعم الذي كان يعمل به اجيرا . الى ان جاء يوم اضطر صاجب المحل أن ينبأه على الذي يقترفه ابو علي بحق المطعم , لكنه لم يستطع أن يتكاشف معه , خوفا أن تسمع به السلطة . فقد دبر مكيدة في صباح احد الايام كان ضحيتها أبو علي , فأتفق مع أحد الصناع , أن يرمي ابوبريصة في عجينة الكباب الذي اختص به ابو علي سنين كثيرة ونال على أثرها شهرته .
ثم امر نفس الصانع أن يأتي بأحد الشقاوات الى المطعم ليأكل على حسابه دون أن يكشف السر وراء ذلك , غير ان الصانع ابلغه أنه عليه انجاز مهمته , كي يكون سببا في طرد ابو علي بعد أن شرح له أنه هو السبب في هبوط شعبية المطعم .ومن ثم خسارة صاحبه .
بعد يومين تم ما ارده صاحب المطعم , وطرد ابو علي لعدم نظافته , بعد أن ناداه صاحب المطعم :
- ابو علي انت بعد ما عندك شغل يمي , عيني المطعم انكسر من وراك ,, وكل النهار ماكو نفرين يجون ياكلون عدنه , خلاص هجمت بيتي . روح شوفلك شغلة ثانية عمي.
لم يهتم ابو علي ولم يكن مستغربا من الذي حدث , لانه كان واثقا مما يفعل . وخصوصا بعد أن احس بأن هناك مؤامرة للتخلص منه . كان يعرف سرها . لكنه وبما أن صاحب المطعم من جنسه , فلم يتحدث بسوء عنه , بل اخذ اجرته اليومية , وحمل امتعته البسيطة , وشكر صاحب المطعم وقفل راجعا الى البيت .
استغربت زوجته . فلم يكن ابو علي قد فعلها قبلا وعاد في هكذا توقيت . لكنها لم تستطع سؤاله فربما سوف يكشف ما وراء الاكمة ان آجلا أم عاجلا .
مرت اسابيع ووضع ابو علي في تأزم دائم .. لذلك قام مبكرا في احد الايام وخرج من البيت ,, ولم يعد الى ساعة متأخرة . وبقيت الزوجة المسكينة في انتظاره .
دخل ابو علي البيت . ولم يبدي على وجهه اية علامات تدل على اي شيء. فأضطرت زوجته أن تسأله عن سبب خروجه مبكرا ومن ثم عودته متاخرا .
- راح اكولج بس اسمعيني زين . ولا اريد زعل ولا هوسه ,, ولا كلام زايد . عندج طريقين . يا طلاق ,, يا تتحملين ببيت ابوج فترة طويلة !!!
تعجبت الزوجة من كلام ابو علي ,,
- ابو علي شنو هالكلام , صارلنه دهر سوه عشت وياك عالحلوة والمره وهسه اتكوللي طلاق ومدري شنو؟
- اسكتي ولا كلام . الشغلة بعد متتحمل . اني قبل لا احجيلج لازم تحلفين انه ما راح تحجين حتى لابوج على هاي السالفة . اولادج اشكد غاليين عندج , هذا السر اغلى, اني ما خايف على روحي . والله , اني خايف عليج وعلى اولادج.
لعد ليش تريد تتركني؟
- اسمعي بنت الحلال . اني طول هاي المدة كنت ضام عليج . لكن لازم احجيلج بس احلفي واني احجيلج.
اقسمت زوجته على حمل السر مهما كان ثمنه , حتى وان تعرضت حياتها للخطر.
سكت ابو علي برهة:
- اسمعي,,, طول هاي السنين اني اشتغل للوطن. والفلوس اللى كنت اضمهه عليكم كلهه كنت اخذهه للمقاتلين بالجبل اللى كانوا يحمون عرضنة وشرفنة. وكنت اساوم على كرامتي واختلط بهذوله الانجاس ازلام السلطة خاطر احد لا يعرف اني شسوي وادمر حياتج وحياة اولادج. لكن الناس حقهه متفهم. لذلك صاحب الشغل دبرلي ذيج الشغلة وطردني من الشغل ومثل ما تشوفين اني بعد محد ينطيني شغل . لان انكسر سمعة عملي بين الناس . لذلك اني راح التحق بالجبل واصير مقاتل , ومن كتلج اطلقج , على مود من يجون عليج لحد يكولج انتي مرة ابو علي وتتعرضين للأذية .
اتفق الطرفين على حمل هذا السر الثقيل الى المستقبل الذي لم يعرفوا ماذا تخبيء لهم . اقتنعت المرأة على أن تذهب لتعيش في كنف والديها , وتفهم الناس والدولة انها مطلقة , ولا علاقة لها بأبو علي.
في الصباح حمل ابو علي امتعته البسيطة , واخذ مبلغا من المال الذي كان يحتفظ به لايام الشدة معه , واعطى الباقي لزوجته .
التحق ابو علي , وبقي يقاتل سنين عديدة . الى أن من الله على الناس وهدأت الاوضاع . ورجع ابو علي وقد فقد احد رجليه في القتال .
عاد ابو علي الى احضان زوجته التي كانت قد دبت الشيخوخة الى رأسها . وفقدت اسنانها جميعا . وقد تزوج اولاده . عاد ابو علي وهو يعتكز على عكازة قديمة اهترأت قاعدتها ,
كان فرحا جدا ,, والمرأة فرحة . كان يعول على أن الثورة قد تساعده بعد ان كان يبعث قوت اطفاله لهم , وبعد أن فقد ساقا له وترك اطفاله تحت رحمة الجبروت دون أن يعلم عنهم شيئا , حتى انه قد اضطر أن يطلق زوجته في سبيل ان يلتحق بالثورة ..

مرت سنين كثيرة , في احد الصباحات الجميلة المشرقة ..كان صاحب المطعم الذي كان ابو علي يعمل فيه اجيرا حينها . ذاهبا الى المطعم . وقد تأنق بملابسه , ولم تفارقه السيكارة التي تعود ابو علي أن يراها , في فمه صباحا عندما كان يقدم له شاي الصباح حين كان يجلس وراء الطاولة التي كانيجلس عليها في باب المطعم .
راى صاحب المطعم ,, انسانا غريبا , وقد افترش الارض , وقد تغطى بمجموعة من البطانيات المتهرئة القذرة .. وقد رمى الناس قليلا من الاوراق النقدية ذات الفئة ربع دينار , على طرف البطانية التي تغطى بها النائم على الرصيف .
لم يصبر فقد قرر أن يتأكد ممن تحت هذه الاغطية ...
انصدم صاحب المطعم ,, عندما رفع العطاء من على رأس الشخص ,, فلمح تفاصيل وجهه , وتذكر آخر يوم حين مد يده اليه واعطاه اجرته اليومية وبلغه بأنه لا مكان له في المطعم بعد ذلك اليوم . ولم يكن يعرف أن ابو علي كان يبعث رواتبه على شكل دفعات أو اطلاقات الى الثوار وكان حين يقترب من مدير الامن والمسؤولين كان بعدها ينقل جميع تفاصيل لقائاته وكل ما كان يسمعه منهم الى الثوار , حيث كانوا يتحركون على اثره لضرب المواقع الحكومية .
اذن هذا ابو علي .. !!!
لعن صاحب المطعم اليوم الذي اقترف فيه جريمة طرده لهذا البطل , ولعن اليوم الذي استفاد فيه الانتهازيون ونسوا من كان وراء تلك الانجازات العظيمة الذي اوصلهم الى كراسي الحكم والعيش برغد .
فلم يكن منه الا أن وضع هو أيضا مبلغا من المال فوق الغطاء الذي كان الرجل الغريب متغطيا به . ماطا شفتيه وضاربا راحتا يديه ببعضهما . اساف على ابو علي المسكين الذي اصابه الجنون واصبح يفترش الشوارع .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق